ابن عجيبة

300

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

لقراءة الإمام في الصلاة ، وقيل : في الخطبة ، والأول الراجح ، لوجهين : أحدهما : عموم اللفظ ، ولا دليل على تخصيصه ، والثاني : أن الآية مكيّة ، والخطبة إنما شرعت بالمدينة . وقوله تعالى : لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ أي : بسبب ما تكتسبه القلوب من الرقة والخشية عند استماع القرآن ، قال بعضهم : الرحمة أقرب شئ إلى مستمع القرآن ؛ لهذه الآية . قاله ابن جزى . الإشارة : الاستماع لكلام الحبيب أشهى للقلوب من كل حبيب ، لا سيما لمن سمعه بلا واسطة ، فكل واحد ينال من لذة الكلام على قدر حضوره مع المتكلم ، وكل واحد ينال من لذه شهود المتكلم على قدر رفع الحجاب عن المستمع ، واللّه تعالى أعلم . ثم أمر بالذكر القلبي ، فقال : [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 205 إلى 206 ] وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ ( 205 ) إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ ( 206 ) يقول الحق جل جلاله ، لنبيه صلّى اللّه عليه وسلّم ولمن تبعه : وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ أي : في قلبك ؛ بحركة لسان القلب ، أو في نفسك ؛ سرا بحركة لسان الحس ، تَضَرُّعاً وَخِيفَةً أي : متضرعا وخائفا ، وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ أي : متكلما كلاما فوق السر ودون الجهر ، فإنه أدخل في الخشوع والإخلاص ، ولا حجة فيه لمن منع الذكر جهرا ؛ لأن الآية مكية حين كان الكفر غالبا ، فكانوا يسبون الذاكر والمذكور ، ولما هاجر المصطفى - عليه الصلاة والسلام - إلى المدينة ، جهر الصحابة بالتكبير والذكر . فالآية منسوخة . انظر : الحاوي في الفتاوي للإمام السيوطي . فقد أجاب عن الآية بأجوبة . فقوله : بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ أي : في الصباح والعشى ، حين تتيقظ من نومك الشبيه بالبعث ، وحين تريد النوم الشبيه بالموت ، وقيل : المراد صلاة العصر والصبح ، وقيل : صلاة المسلمين ، قبل فرض الخمس ، وقيل : للاستغراق ، وإنما خص الوقتين ؛ لأنهما محل الاشتغال ، فأولى غيرهما . وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ عن ذكر اللّه . إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ ؛ يعنى ملائكة الملأ الأعلى ، لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ ؛ ينزهونه عما لا يليق به ، وَلَهُ يَسْجُدُونَ أي : يخصونه بالعبادة والتذلل ، لا يشركون به غيره ، وهو تعريض بالكفار ،